مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريفها‬‎
احمد .. 9 سنوات , وطفولة عَمدها الحصار

الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

مجد لبنان أعطي للتبّولة

- خالد صاغية


فشل في تأليف الحكومة.
فشل في الاتفاق على أسس بناء وطن.
فشل في إدارة الدَّين العام.
فشل في التعايش بين الطوائف.
فشل في فصل الدِّين عن الدولة.
فشل في نظام الضرائب.
فشل في تمضية عشرين عاماً متواصلة من دون نشوب حروب أهليّة.
فشل في تقبّل الناس ونبذ المشاعر العنصريّة تجاه كلّ ذي بشرة سمراء.
فشل في الإحساس بالكرامة أمام الرجل الأبيض.
فشل في الاتفاق على العدوّ والصديق.
فشل في احترام إشارات السير.
فشل في رائحة المازوت.
فشل في زمامير سيّارات السرفيس.
فشل في تنظيم الدوائر الحكوميّة.
فشل في الصحف.
فشل في إنتاج السينما.
فشل في الأحزاب وفي البرامج وفي الشعارات.
فشل في نظافة الشوارع.
فشل في الطرب والمطربين.
فشل في البرامج الكوميديّة وغير الكوميديّة.
فشل في الأراضي الزراعيّة.
فشل في المصانع التي تقفل.
فشل في حقوق العمّال.
فشل في تزفيت الطرقات.
فشل في حفظ الأمن.
فشل في احترام العادات والتقاليد المغايرة.
فشل في احترام الفقراء.
فشل في حقوق المرأة.
فشل في الحوارات السياسيّة.
فشل في تعليم اللغة.
فشل في التشبيح.
فشل في عمليّات التجميل.
فشل في التكبّر على الآخرين من دون أيّ سبب.
فشل في ادّعاء الوجاهة.
فشل في مطالبة الدولة بأبسط واجباتها.
فشل في القدرة على التجمّع حول مطلب واحد.
فشل في استخدام الأجهزة الخلويّة.
فشل في نظام التعليم.
فشل في الموت أمام أبواب المستشفيات.
فشل في الحدائق العامّة.
فشل في فرص العمل.
فشل في كلّ شيء... تقريباً كلّ شيء.
لكن، رغم كلّ هذا الفشل، يحتلّ لبنان المرتبة الأولى في ميادين كثيرة. فبعد الكبّة والحمّص، دخل لبنان أمس كتاب «غينيس» مع أكبر صحن تبّولة. 1600 كلغ من البقدونس. 1500 كلغ من البندورة. 420 كلغ من البصل... صنعت مجد لبنان أمس. مجد تبلغ زنته ثلاثة أطنان ونصف طن من التبّولة.
«الحمّص من وين؟ التبّولة من وين؟» هتف ميشو، وإلى جانبه الشيف رمزي، ليخوض معركته السياسيّة ضدّ إسرائيل. وما حدا أحسن من حدا.

الأخبار عدد الاثنين ٢٦ تشرين الأول ٢٠٠٩

السبت، 24 أكتوبر، 2009

جرائم إسرائيل بين القاضي غولدستون والدولة اللبنانية

المحامي ألبير فرحات

التقرير الذي أصدره القاضي غولدستون الذي ترأس لجنة تقصي الحقائق في حرب غزة الأخيرة للتثبت من وجود خروقات للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان أثار ضجة لم تهدأ بعد مع تعالي الضجيج من جانب إسرائيل والولايات المتحدة. ذلك أن خوفهما من مضاعفات تقرير غولدستون هو مبرر تماماً.

فلأول مرة يصدر عن هيئة رسمية دولية ما يكشف عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها إسرائيل وما يُظهر جيشها على حقيقته قاتلا للأطفال بدم بارد، موجهاً قنابله الفوسفورية إلى مدارس الأونروا، أي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وغيرها من الجرائم التي لا يمكن مقارنتها إلا بجرائم النازية.

ولقد ظهر مدى الحرج الذي أصيبت به الدولة الصهيونية من خلال طلبها الوقح وغير المسبوق بتعديل إتفاقيات جنيف الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب! وكأنها تريد إضفاء الشرعية على جرائمها بحق المدنيين بعد ثبوت إقدامها عليها.

على أن كل ذلك شيئ وموقف الحكومات اللبنانية المتعاقبة من ملاحقة إسرائيل بسبب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في لبنان هو شيئ آخر تماماً!

فإن هذه الحكومات اللبنانية لم تحرك ساكناً من أجل ملاحقة إسرائيل ومحاكمتها بالرغم من أن مجلس الوزراء قد قرر أثناء عدوان تموز تخصيص مبلغ يزيد على ثلاثة ملايين دولار من أجل إقامة دعاوى وتكليف مكاتب محامين دوليين ولكنه لم يفعل شيئاً! وذهبت الملايين أدراج الرياح! فقد باشر وزير العدل الأستاذ بهيج طبارة العمل لملاحقة إسرائيل إلا أن كل شيئ قد توقف بقدرة قادر!!

بل أكثر من ذلك فإن السفارات اللبنانية في الخارج لم تقدم أي عون للبنانيين الذين يحملون جنسيتين وقدموا دعاوى بحق إسرائيل أمام محاكم تلك البلدان التي يحملون جنسيتها!

بل إن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد تمنى منذ بضعة أشهر على إسرائيل تعويض لبنان على الأضرار البيئية التي لحقت به من جراء قصف محطة الجية أثناء حرب تموز إلا أن الحكومة اللبنانية لم تسمع ولم تهتم!

بل وأكثر وأكثر فإن عدداً من الحقوقيين الديمقراطيين في فرنسا وبلجيكا وأميركا اللاتينية قد تقدموا بشكاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق إسرائيل بسبب جرائمها في لبنان ولم توجه لهم حكومتنا حتى كلمة شكر!

إن موقف الحكومات اللبنانية هذا ليس صدفة، يجب القول أن لدينا أكثر من محمود عباس واحد لا يريدون إزعاج العدو وحليفته الولايات المتحدة ولو على حساب دماء اللبنانيين. وإلا كيف يمكن تفسير أن لبنان هو، إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة، من الدول القليلة في العالم التي لم تنضم إلى المعاهدة الدولية التي أنشئت بموجبها المحكمة الجزائية الدولية بحيث لا نستطيع أن نتقدم بشكاوى أمامها!؟؟

هل تصل مسايرة أميركا وإسرائيل إلى هذا الحد؟
وماذا سيكون عليه موقف لبنان بعد انتخابه عضواً في مجلس الأمن؟

لقد اعتبر الرئيس ميشال سليمان في الكلمة التي ألقاها في مناسبة اففتاح السنة القضائية ان ذلك الإنتخاب سيجعل لبنان رأس حربة لحماية مصالحه ومصالح الأمة العربية والتصدي للإحتلال الإسرائيلي ودفاعاً عن الشعب الفلسطيني!

إننا نأمل من فخامة الرئيس وهو المعروف بمبادراته الوطنية وصدقيته أن يقرن القول بالفعل، وأن يطرد من الهيكل التجار والمرابين وأعوان إسرائيل المستترين والمفضوحين معاً، وأن يعمل على ملاحقتها ومحاكمتها على جرائمها!


*تعليق اليوم أُذيع على إذاعة صوت الشعب بتاريخ اليوم 24 تشرين الأول 2009

الأربعاء، 21 أكتوبر، 2009

لبنان بحاجة إلى يسار

فواز طرابلسي
السفير 21 تشرين الأول 2009

الاحتفال بالذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني ليس بالحدث العابر. ففي الاحتفال بأقدم حزب لبناني احتفالٌ بلبنان الذي لا يكبر الحزب بأكثر من أربع سنوات، كما أشار الأمين العام للحزب خالد حدادة في حديثه عن التداخل العضوي بين أقدم حزب لبناني وبين حياة الوطن بمختلف جوانبها.
على أن الاحتفال بعيد ميلاد هذا الشيخ ينطوي على مفارقتين: الأولى أن الحزب الشيوعي هو الآن حزب يطغى على عضويته عنصر الشباب.
والمفارقة الثانية هي أن الحزب يحتفل بذكرى تأسيسه والبلد أحوج ما يكون إلى يسار متجدد ينضم إلى أطيافه الفكرية والسياسية. والأمران كلاهما يشد وجهة المستقبل.
لبنان يحتاج إلى يسار لا لشيء إلا لأن قواه السياسية تزداد جنوحاً نحو اليمين، أي نحو المحافظة على الأوضاع القائمة والقبول بالتمايزات والفروقات بين اللبنانيين وكأنها معطى من معطيات الطبيعة أو الإرادة الإلهية أو الفرادة اللبنانية.
ولبنان يحتاج إلى يسار لوجود سياسة اقتصادية تنمّي التمايز الاجتماعي والمناطقي وتزيد الارتهان للخارج، وهي، رغم كل شيء، ليست تلقى البديل الجدي من طرف المعارضة.
ولبنان بحاجة إلى يسار تحديداً لكي يعيد التوازن إلى مروحة أطيافه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
ويجوز الزعم أن اليسار قادر على أن يقدّم جديداً هنا.
اليسار قادر، إن شاء واستطاع، على تجاوز أحادية الجانب والأولويات الزائفة في الأهداف والمهام والوسائل التي قام عليها الاستقطاب الاعتصابي الراهن بين المعسكرين.
وهو قادر أن يسهم بوجهة نظر تقول إن تنظيم التعبئة ضد العدو الإسرائيلي، والدفاع عن سلاح المقاومة ورسم استراتيجية للدفاع الوطني، لا تلغي ضرورة الالتفات إلى بلورة تصوّر جديد للعلاقات اللبنانية السورية يتجاوز منطقي القطيعة والتبعية ويذهب وجهة استكشاف المصالح المشتركة في إطار من الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين.
وفي مجال السيادة والاستقلال، اليسار قادر، إن شاء واستطاع، أن يكون الداعي الأشد إلحاحاً إلى تخفيف الارتهان الاقتصادي للخارج، بدعم القطاعات الإنتاجية، وتخليصها من هيمنة حزب المستوردين والمصرفيين، لكي تشكّل القاعدة المادية التي يحقق بواسطتها الوطن الصغير المقدار الكافي والممكن من السيادة والاستقلال الوطنيين والسياسيين.
واليسار قادر، إن شاء واستطاع، أن يبلور نظرة جديدة لتجاوز المسألة الطائفية بما هي مهمة ديموقراطية بالدرجة الأولى تؤسس للمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين، فيما هم، في النظام الطائفي، رعايا غير متساوين في الحقوق والواجبات والتمثيل السياسي والقانون.
واليسار قادر، إن شاء واستطاع، على ربط المسألة الطوائفية بمضمونها الاجتماعي، من طريق العدالة الاجتماعية: التوازن في التنمية المناطقية والتوزيع العادل للثروة ولخدمات الدولة على الجميع. واليسار هو الذي يتوجه للجميع قائلاً: وفّروا للمواطنين اللبنانيين العمل والخبز والصحة والسكن والماء والكهرباء والضمان الصحي والتعليم الديموقراطي والتقاعد ودلّونا على ما الذي يتبقى من الانقسامات والنزاعات الطوائفية.
واليسار قادر، إن شاء واستطاع، أن يزيل التشويه الذي يلحقه الحداثيون والإسلاميون على حد سواء بالعلمانية بتصويرها نقيضاً من التديّن أو ممحاة للهويات. فيعيد الاعتبار للعلمانية بما هي الحياد الديني للدولة ـ للدولة لا للمجتمع! ـ من خلال إعطاء اللبنانيين الحق الديموقراطي في أن يختاروا قانون الأحوال الشخصية الذي يريدون، مذهبياً كان أم مدنياً.
من هنا فإن ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني مناسبة استثنائية لا لمجرد التذكير بالمكان الذي يتعيّن على اليسار أن يملأه في حياة البلد، وإنما لطرح السؤال عن استعداده للارتقاء إلى مستوى هذا الدور وتلك المهمات.
شاء الحزب الشيوعي أن يلوّن ذكراه باللون الأحمر من خلال شعار: «غيِّر بالأحمر». التغيير بالأحمر؟ شعار دافئ وموحٍ وجميل، وهو فوق ذلك إعلان نوايا ضاج بالأمل. ولكن لن يأتي التغيير بالأحمر دون الانتهاء من خلط الألوان وبناء الشخصية المستقلة للأحمر ورؤياه المتكاملة وقواه الذاتية واستعادته ثقته بنفسه.
وهذا يتطلّب استجماع اليسار لمصادر قوته وفي مقدمتها: سلاح النظرية. وهو السلاح المجهّز لا للعنف وإنما للمعرفة. ويملك اليسار أغنى نظرية في معرفة النظام الرأسمالي الذي يحكم عالمنا من أجل تغييره.
والتغيير بالمعرفة يعني بلورة الهوية والرؤية. تزداد الحاجة إلى هذه وتلك في لحظات الهامشية والضعف. بدلاً من العكس وهو ما درج عليه اليسار عموماً والحزب الشيوعي خصوصاً: التنازل في النظرية والأهداف، ما يفقد الهوية والموقع الاجتماعي والشرعية الشعبية. من حق اليسار والحزب الشيوعي، بل من واجبهما، استعادة المشروع اليساري كاملاً: مشروع تجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية بما هي نظام يبني نمط حياة جديداً وإنساناً جديداً. وللذين يقولون بأن هذا تجريب للمجرَّب يجيب المسرحي الألماني الكبير برتولد بريشت: مات بشر كثيرون وهم يحاولون الطيران. لكن هذا لم يمنع الإنسان من أن يطير في نهاية المطاف!
هذه طوبى؟ نعم. والطوبى هي محرّك التاريخ. هناك من يدعو إلى الطوبى الخلاصية الانتظارية، والوعود بالجنات في السماء. يقدّم اليسار طوبى الممكن. الجنة على الأرض. وقد باتت ممكنة لأن عالمنا ينتج ما يسد الحاجات الأساسية لجميع سكانه لولا التوزيع المتفاوت للثروات والموارد عن طريق مؤسسة الملكية الفردية وآليات السوق واستغلال الإنسان للإنسان. والطوبى هكذا تصوّر للمستحيل من أجل تحقيق الممكن.
و«غيِّر بالأحمر» يستدعي بناء قوى التغيير. أي تمثيل الفئات المهمّشة والمفقرة والمنتجة والشباب والنساء والحركات الاجتماعية والعمل على توحيد تحركاتها ونضالاتها وابتكار وسائل عمل جديدة. تكمن قوة الخصم في المال والقوة. وقوة اليسار في المعرفة والناس.
«غيِّر بالأحمر» يفترض استخلاص الدروس من التجارب. وأولى الدروس من التجارب الأخيرة: التخلّص من الأحادية البرلمانية. تزداد أهمية هذا الدرس إذا تذكّرنا أن الحزب مهووس، منذ اتفاق الطائف، بفكرة تكاد أن تكون وحيدة: إيصال مرشح له إلى الندوة البرلمانية بما هو مقياس رئيسي للإنجاز السياسي. يأتي الاحتفال بعيد الحزب على اثر انتخابات نيابية مثلت أسوأ أداء برلماني عرفه الحزب في تاريخه. لا معنى للوم قانون الستين أو النظام الطائفي على تلك النتائج. الأحرى قراءة الأداء البائس حيث صوّت إثنا عشر ألف ناخب بالورقة البيضاء، من غير ما حملة تدعو إليها، وأقل من ثمانية آلاف لمرشحي الحزب. هذا التصويت بمثابة إنذار للحزب حول ضعف الهوية واللون والرؤيا والسياسات. إنها رسالة تقول إن الحزب، الذي لم تصوّت له أكثرية أعضائه ومناصريه، ضعيف اللون، لا يقدّم اعتراضاً كافياً على السائد سياسياً ولا يحمل التمايز الكافي عن الكتلتين المتنافستين، خصوصاً أنه قرّر أن يخوض المعركة منفرداً بعد أن رفضت المعارضة أخذ مرشحيه الرئيسيَين على لوائحها.
دعوة لترميم اليسار؟ الأحرى لإعادة تأسيسه. أو البدء من البدايات. والبدء من البداية يعني المزج الخلاّق بين حكمة السنوات المتراكمة وحماسة البدايات!

السبت، 17 أكتوبر، 2009

بين الحق الإنساني.. والحق الوطني الفلسطيني؟

سليمان تقي الدين
السفير 17 تشرين الأول 2009


انتصر مجلس حقوق الإنسان العالمي لشعب فلسطين مصدقاً على تقرير القاضي ريتشارد غولدستون، الذي أدان إسرائيل بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عدوانها على غزة. مجلس حقوق الإنسان أقر إحالة التقرير إلى مجلس الأمن الدولي بأكثرية تشكلت من الدول العربية والإسلامية وعدم الانحياز. المسؤولون الإسرائيليون اعتبروا التقرير صفعة كبرى أفقدتهم أي اتزان فردوا مهددين بوقف عملية السلام التي لا نعرف عن مصيرها شيئاً منذ زمن بعيد. مندوبة إسرائيل ووزير الخارجية طمأنا إلى أن مصير التقرير سيحتجز في مجلس الأمن في محاولة للتخفيف من وطأة الحدث بدلالته التي تؤسس لمساءلة لا يمكن محوها. أهمية ما جاء في التقرير أنه أدان إسرائيل بجرائم الحرب المتعمَّدة ضد المدنيين. الإدانة الأخلاقية والإنسانية حصلت تلقائياً، لكن النتائج القانونية أهم وإسرائيل تعرف ذلك جيداً. لن يمر التقرير في مجلس الأمن ليحال على المحكمة الجنائية الدولية، هذا أمر ممكن ومعروف، برغم السابقة القريبة جداً حيث أحال مجلس الأمن جرائم إقليم دارفور السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية وتحركت النيابة العامة لملاحقة الرئيس السوداني. لكن الهيئة العامة للأمم المتحدة يمكن لها أن تتخذ قراراً بالإدانة، وهي قادرة على ذلك والتوازن السياسي داخلها يسمح إذا تحركت الدول المؤيدة للحق الفلسطيني. هذه الإدانة هي قيد قد يلجم الغطرسة الإسرائيلية التي تتصرف في القضايا السياسية، وخاصة بالحرب، وكأنها فوق القانون الدولي بقوة الأمر الواقع، لكنها هذه المرة ليست بعيدة عن مساءلة الرأي العام الدولي. إنما تقرير غولدستون هو وثيقة يمكن استخدامها من أي دولة عضو أو موقعة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية (اتفاقية روما) لكي تحرّك الدعوى ضد إسرائيل وقياداتها. وهناك إمكانية لممارسة هذا الحق جزئياً أمام محاكم أوروبية عدة ضد بعض المسؤولين عن تلك الجرائم.
الارتباك تخطّى إسرائيل إلى قادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية الذين خسروا الكثير من مصداقيتهم لأنهم طالما تحدثوا عن أمن إسرائيل وحقها بالدفاع عن النفس. الذرائع التي اختبأت خلفها السلطة الفلسطينية ورئيسها لتأجيل مناقشة التقرير، على فرض أنه يشير إلى وجود انتهاكات من الجانب الفلسطيني، انكشف زيفها. لا يمكن التضحية بمثل هذه السابقة الدولية لمصلحة القضية الفلسطينية ولو على المستوى الإنساني بمثل هذه الذرائع. السبب الحقيقي وراء موقف السلطة تهديد الإدارة الأميركية ونتنياهو لرئيس السلطة. ربما كان هذا مكسباً إضافياً من معركة التقرير إذا كان رئيس السلطة لم يعد طرفاً صالحاً للتفاوض لمجرد تأييده تقرير مجلس حقوق الإنسان عن جرائم ترتكب ضد شعبه، فهو ليس صالحاً لأي دور آخر.
ثمة مَن سعى في الغرب إلى إعطاء مهلة لإسرائيل لكي تطوّع الحقائق لمصلحتها. هناك قضية كانت موجعة أيضاً في التقرير أنه يذكر جرائم إسرائيل المتعلقة بسياسة الحصار وليس الأعمال الحربية المباشرة. وقد تعرّض لمسألة القدس. هذه إصابة سياسية غير متوقعة. ليست المشكلة مع غزة وحماس، هناك حقوق للشعب الفلسطيني تنتهك في كل مكان ووقت وهي متمادية ومستمرة.
مجلس حقوق الإنسان تعاطى مع شعب فلسطيني موجود تحت الاحتلال. هذه قضية ثانية مهمة. لم يلامس التقرير مسألة تقرير المصير وحق المقاومة اللذين هما من مقدمة ميثاق الأمم المتحدة، لكن التقرير يمهد لأي جهد عربي في استخدامه لاستنهاض القضية الوطنية على المستوى الدولي. المفارقة هنا أن إسرائيل والدول الداعمة لها يدركون معنى وأهمية التقرير لأنهم يشيعون ويدّعون إيمانهم بالديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان. على الأقل هذه عناوين مهمة في ثقافة شعوب الغرب ومادة للحوار معهم. أما العرب فلم يستوعبوا أهمية الحدث قبل حصوله. هناك مواجهة كبيرة لتطويق التقرير سياسياً من دول الغرب. لكن هذه مناسبة لشعب فلسطين والعرب لمحاصرة إسرائيل فلا ننحدر في التنازلات إلى حد أن نقايض حقوقاً معترفاً بها دولياً بوعود عن تجميد الاستيطان أو مجرد التفاوض.
انتصر الحق الإنساني في فلسطين بالتضحيات أمام القوة الهمجية، عسى أن نصحو على تجديد معركة الحقوق الوطنية.

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الطائفي - «مَن خصّه»؟

فواز طرابلسي
السفير 14 تشرين الاول 2009

«أنا ما خصّني»!
هذه هي آخر كلمات تلفّظ بها الشاب جورج أبو ماضي قبل أن يهوي ميتاً بطعنة سكين على باب منزله في عين الرمانة.
لسنا ندري أقالها الضحية بنبرة التبرّؤ أم التساؤل المستنكر، بمعنى «أنا شو خصّني؟». في الحالتين، أراد جورج أبو ماضي القول إنه لم يكن طرفاً في المعركة التي نشبت بين شباب من الشياح وشباب من عين الرمانة.
حقيقة الأمر أن جورج أبو ماضي، «خصّه». قُتل تحديداً لأنه يسكن منطقة معينة وينتمي إلى طائفة معينة. والذي قتله إنما قتله لأنه ينتمي إلى الجماعة ذاتها التي تشاجر القاتل أو القتلة مع واحد «منها». وينطبق هذا المنطق حرفياً في الحالة المعاكسة، أي فيما لو تمّ الشجار في الشياح وكان الضحية أحد شباب الضاحية الجنوبية.
بهذا المعنى ليست حادثة القتل في عين الرمانة الأسبوع الماضي بالحادثة الفردية تماماً. إنها أقرب إلى جريمة استبدالية قتَل فيها فرد نيابة عن أفراد من الجماعة التي ينتمي إليها (بالولادة).
مع ذلك، فالأحزاب المعنية المسيطرة على المنطقة التي يسكن فيها المتهمون بالقتل تقول لنا إنه «ما خصّها». سلّمت الأمر للسلطات الأمنية. وسارعت إلى نفي أي طابع سياسي عن الجريمة على اعتبار أن القتلة المفترضين والضحية (الذي صدف أنه عضو في التيار الوطني الحر) ينتمون إلى تحالف سياسي واحد.
من حسن الحظ، أن قوى الأمن اكتشفت القتلة بسرعة وألقت القبض عليهم. واتخذ مجلس الأمن المركزي للمناسبة قرارات بتقنين حركة سير الدراجات النارية ليلاً وضبط المخالفات. وهي إجراءات ضرورية بذاتها. علماً أنها لن تمنع شباب الشياح ـ عين الرمانة من أن يعبروا الشارع الفاصل بين الحيّين راجلين جيئة وإياباً، إذا اقتضى الأمر.
عند حدود الأمن والسياسة انتهى أمر حادثة عين الرمانة. لو أن اشتباكات من هذا النوع لم تتكرّر خلال الفترة الأخيرة لاكتفى المرء بتسجيل الحادثة. ولكن لما كان المصدوم في عين الرمانة يخاف من حادثة بوسطة، وجب التوقف لبرهة هنا ولو مجرد التفكير في الاحتقان الاجتماعي ودوره في تغذية الاحتقان الطائفي وصولاً إلى العنف.
يزيد من إلحاح الموضوع أن حادثة الشياح ـ عين الرمانة تزامنت مع تساقط قذائف الإنيرغا بين باب التبانة وبعل محسن في طرابلس. وهنا يصعب أن تكون الحادثة فردية. مع أن أي مواطن من مواطني هذا الحي أو ذاك يستطيع أن يسأل سؤال جورج أبو ماضي «أنا ما خصني»، متبرئاً من قصف الحي الآخر أو مستنكراً شموله بالقصف لمجرد أنه يسكن في الحي الذي يسكن فيه.
هل حقاً أن الأحزاب والزعامات في الحالين «ما خصّها» بما جرى؟ ومَن الذي أقنع جمهوره بأن هويته الوحيدة أنه ابن طائفة ومذهب؟ فسهل عليه إذا كان يشعر بالإحباط والتهميش أن يلقي باللائمة على سلاح الحزب الذي يدير شؤون الناس في الحي المقابل. وإذا كان يشعر بالحرمان الاجتماعي، أن يلقي باللائمة على أبناء الحي المقابل، على اعتبار أنهم من أصحاب الامتيازات. وماذا يملك الذين «خصّهم» أن يقدّموه تجاه تزايد الإفقار في الحيين الطرابلسيين؟ تفريغ المزيد من الشباب في الميليشيات؟ ومَن لم يجيّش بعد لنفسه ميليشيا هناك؟
خلال الأسبوع، كان الذين يفترض أنه «خصّهم» منشغلين بقضايا وطنية غاية في الخطورة، يضربون المندل في ما إذا كانت قمة دمشق بين سين وسين قد أقرّت توزير الراسبين في الانتخابات أم لا، وما إذا طاولت مَن سوف يتسلّم وزارة المواصلات أم لم تطاوله. وإذا ضرب المنادل يدور حول درجة الحرارة في لقاء رئيسي الدولتين بين «دافئة» و«فاترة».
والذين يفترض أنه «خصّهم» كانوا مشغولين هذا الأسبوع باللبنانيين المطرودين من اتحاد الإمارات العربية. وهي قضية تستحق كل الاهتمام. ولكن مَن يخصّه بالبحث عن إيجاد فرص عمل للشباب في بلادهم، حتى لا يبقوا على قارعة الطرقات، ويسندوا الجدران، يدمنوا الحبوب والمخدرات، ويلعبوا البينغو، ويتباروا في السرعة المجنونة على الدراجات النارية إلى حد القتل أو الانتحار، وينفسوا أخيراً عن كبتهم والحرمان بالعنف على الجار المختلِف؟
صدر هذا الأسبوع عن وزير الصحة تصريح مفاده أن الدواء تتحكّم به مافيات المستوردين. ليس من صلة مباشرة، سوف يقال لنا، بين أحداث الشياح ـ عين الرمانة وطرابلس وبين مشكلات الدواء. ومع ذلك، لنسجّل أن التهمة التي أطلقها الوزير مرّت كما لو أنها شأن خاص بالوزير أو مجرّد مقال صحفي. مَن «خصّه» بالنظر في تحكّم مافيات المستوردين والموظفين بالدواء؟ مَن «خصّه» أن لا يبقى الفاعل مجهّلاً؟ ومَن يتخذ بحق أفراد المافيات الإجراءات القانونية اللازمة؟ ولكن أليس التلاعب بصحة المواطنين جريمة يحاسب عليها القانون؟
بين الذين «خصّهم» مَن يعزّينا بأن لبنان مشروع ثقافي وأن اللبنانيين «من صخر وشذى أرز كفايتهم». يكفيهم أن بلدهم بلد الحوار بين الشرق والغرب، وبين المسيحية والإسلام وكفى المؤمنين شر السكن والماء والكهرباء والعمل والخبز والصحة والطبابة. وأما دولة بلد حوار الحضارات والأديان فلا تزال عاجزة عن جمع 14 من رجالاتها حول طاولة حوار للبحث في استراتيجية دفاع وطني، مثلاً.
الكل من الذين «خصّهم» ينعى غياب الدولة والكل يريد بناء الدولة. والكل فوق ذلك يريدنا أن ننسى أنهم هم، رجالاً ونساءً، هم الدولة. الدولة التي ما خصّها بشيء. تستدين من الخارج لتفي ديون بضعة مصارف تتضخم فيها الودائع والأرباح الفلكية. الدولة المتخلية عن الاقتصاد للمستوردين والمصرفيين، وعن التنمية للسوق، وعن الأحوال الشخصية للطوائف، وعن إيجاد فرص العمل للهجرة، وعن الخير العام للجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية، والمتنازلة دستورياً (البند العاشر) عن دورها في تحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين من خلال تخليها عن مجانية التعليم وإلزاميته لمصلحة الإرساليات والمدارس والجامعات الدينية الخاصة.
هكذا الذين يحكمون يتذمّرون من الدولة، التي هي هم، أكثر من تذمّر المحكومين. يغيّبون الدولة في ميدان المسؤولية والمحاسبة ويستحضرونها في ميدان التسابق على الانتفاع والقمع. والذين «ما خصّهم» من المحكومين يقتلون على الهوية. لأنه «خصّهم» بسبب وصمة الولادة التي يحملون في الاسم والحي والمنطقة واللهجة واللباس. والامتيازات الصغيرة بين الفقراء ومحدودي الدخل، كالتي بين التبانة والبعل، والشياح والرمانة، والضاحية وطريق الجديدة، والجنوب وعكار، تخفي الامتيازات الكبيرة بين الأغنياء والفقراء. والفقراء والمحكومون يتقاتلون بين الفينة والأخرى من أجل تحسين شروط المنافسة والشراكة بين الأغنياء والحكام.
أما آن للذين خصّهم فعلاً أن يفعلوا شيئاً؟!