مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريفها‬‎
احمد .. 9 سنوات , وطفولة عَمدها الحصار

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الطائفي - «مَن خصّه»؟

فواز طرابلسي
السفير 14 تشرين الاول 2009

«أنا ما خصّني»!
هذه هي آخر كلمات تلفّظ بها الشاب جورج أبو ماضي قبل أن يهوي ميتاً بطعنة سكين على باب منزله في عين الرمانة.
لسنا ندري أقالها الضحية بنبرة التبرّؤ أم التساؤل المستنكر، بمعنى «أنا شو خصّني؟». في الحالتين، أراد جورج أبو ماضي القول إنه لم يكن طرفاً في المعركة التي نشبت بين شباب من الشياح وشباب من عين الرمانة.
حقيقة الأمر أن جورج أبو ماضي، «خصّه». قُتل تحديداً لأنه يسكن منطقة معينة وينتمي إلى طائفة معينة. والذي قتله إنما قتله لأنه ينتمي إلى الجماعة ذاتها التي تشاجر القاتل أو القتلة مع واحد «منها». وينطبق هذا المنطق حرفياً في الحالة المعاكسة، أي فيما لو تمّ الشجار في الشياح وكان الضحية أحد شباب الضاحية الجنوبية.
بهذا المعنى ليست حادثة القتل في عين الرمانة الأسبوع الماضي بالحادثة الفردية تماماً. إنها أقرب إلى جريمة استبدالية قتَل فيها فرد نيابة عن أفراد من الجماعة التي ينتمي إليها (بالولادة).
مع ذلك، فالأحزاب المعنية المسيطرة على المنطقة التي يسكن فيها المتهمون بالقتل تقول لنا إنه «ما خصّها». سلّمت الأمر للسلطات الأمنية. وسارعت إلى نفي أي طابع سياسي عن الجريمة على اعتبار أن القتلة المفترضين والضحية (الذي صدف أنه عضو في التيار الوطني الحر) ينتمون إلى تحالف سياسي واحد.
من حسن الحظ، أن قوى الأمن اكتشفت القتلة بسرعة وألقت القبض عليهم. واتخذ مجلس الأمن المركزي للمناسبة قرارات بتقنين حركة سير الدراجات النارية ليلاً وضبط المخالفات. وهي إجراءات ضرورية بذاتها. علماً أنها لن تمنع شباب الشياح ـ عين الرمانة من أن يعبروا الشارع الفاصل بين الحيّين راجلين جيئة وإياباً، إذا اقتضى الأمر.
عند حدود الأمن والسياسة انتهى أمر حادثة عين الرمانة. لو أن اشتباكات من هذا النوع لم تتكرّر خلال الفترة الأخيرة لاكتفى المرء بتسجيل الحادثة. ولكن لما كان المصدوم في عين الرمانة يخاف من حادثة بوسطة، وجب التوقف لبرهة هنا ولو مجرد التفكير في الاحتقان الاجتماعي ودوره في تغذية الاحتقان الطائفي وصولاً إلى العنف.
يزيد من إلحاح الموضوع أن حادثة الشياح ـ عين الرمانة تزامنت مع تساقط قذائف الإنيرغا بين باب التبانة وبعل محسن في طرابلس. وهنا يصعب أن تكون الحادثة فردية. مع أن أي مواطن من مواطني هذا الحي أو ذاك يستطيع أن يسأل سؤال جورج أبو ماضي «أنا ما خصني»، متبرئاً من قصف الحي الآخر أو مستنكراً شموله بالقصف لمجرد أنه يسكن في الحي الذي يسكن فيه.
هل حقاً أن الأحزاب والزعامات في الحالين «ما خصّها» بما جرى؟ ومَن الذي أقنع جمهوره بأن هويته الوحيدة أنه ابن طائفة ومذهب؟ فسهل عليه إذا كان يشعر بالإحباط والتهميش أن يلقي باللائمة على سلاح الحزب الذي يدير شؤون الناس في الحي المقابل. وإذا كان يشعر بالحرمان الاجتماعي، أن يلقي باللائمة على أبناء الحي المقابل، على اعتبار أنهم من أصحاب الامتيازات. وماذا يملك الذين «خصّهم» أن يقدّموه تجاه تزايد الإفقار في الحيين الطرابلسيين؟ تفريغ المزيد من الشباب في الميليشيات؟ ومَن لم يجيّش بعد لنفسه ميليشيا هناك؟
خلال الأسبوع، كان الذين يفترض أنه «خصّهم» منشغلين بقضايا وطنية غاية في الخطورة، يضربون المندل في ما إذا كانت قمة دمشق بين سين وسين قد أقرّت توزير الراسبين في الانتخابات أم لا، وما إذا طاولت مَن سوف يتسلّم وزارة المواصلات أم لم تطاوله. وإذا ضرب المنادل يدور حول درجة الحرارة في لقاء رئيسي الدولتين بين «دافئة» و«فاترة».
والذين يفترض أنه «خصّهم» كانوا مشغولين هذا الأسبوع باللبنانيين المطرودين من اتحاد الإمارات العربية. وهي قضية تستحق كل الاهتمام. ولكن مَن يخصّه بالبحث عن إيجاد فرص عمل للشباب في بلادهم، حتى لا يبقوا على قارعة الطرقات، ويسندوا الجدران، يدمنوا الحبوب والمخدرات، ويلعبوا البينغو، ويتباروا في السرعة المجنونة على الدراجات النارية إلى حد القتل أو الانتحار، وينفسوا أخيراً عن كبتهم والحرمان بالعنف على الجار المختلِف؟
صدر هذا الأسبوع عن وزير الصحة تصريح مفاده أن الدواء تتحكّم به مافيات المستوردين. ليس من صلة مباشرة، سوف يقال لنا، بين أحداث الشياح ـ عين الرمانة وطرابلس وبين مشكلات الدواء. ومع ذلك، لنسجّل أن التهمة التي أطلقها الوزير مرّت كما لو أنها شأن خاص بالوزير أو مجرّد مقال صحفي. مَن «خصّه» بالنظر في تحكّم مافيات المستوردين والموظفين بالدواء؟ مَن «خصّه» أن لا يبقى الفاعل مجهّلاً؟ ومَن يتخذ بحق أفراد المافيات الإجراءات القانونية اللازمة؟ ولكن أليس التلاعب بصحة المواطنين جريمة يحاسب عليها القانون؟
بين الذين «خصّهم» مَن يعزّينا بأن لبنان مشروع ثقافي وأن اللبنانيين «من صخر وشذى أرز كفايتهم». يكفيهم أن بلدهم بلد الحوار بين الشرق والغرب، وبين المسيحية والإسلام وكفى المؤمنين شر السكن والماء والكهرباء والعمل والخبز والصحة والطبابة. وأما دولة بلد حوار الحضارات والأديان فلا تزال عاجزة عن جمع 14 من رجالاتها حول طاولة حوار للبحث في استراتيجية دفاع وطني، مثلاً.
الكل من الذين «خصّهم» ينعى غياب الدولة والكل يريد بناء الدولة. والكل فوق ذلك يريدنا أن ننسى أنهم هم، رجالاً ونساءً، هم الدولة. الدولة التي ما خصّها بشيء. تستدين من الخارج لتفي ديون بضعة مصارف تتضخم فيها الودائع والأرباح الفلكية. الدولة المتخلية عن الاقتصاد للمستوردين والمصرفيين، وعن التنمية للسوق، وعن الأحوال الشخصية للطوائف، وعن إيجاد فرص العمل للهجرة، وعن الخير العام للجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية، والمتنازلة دستورياً (البند العاشر) عن دورها في تحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين من خلال تخليها عن مجانية التعليم وإلزاميته لمصلحة الإرساليات والمدارس والجامعات الدينية الخاصة.
هكذا الذين يحكمون يتذمّرون من الدولة، التي هي هم، أكثر من تذمّر المحكومين. يغيّبون الدولة في ميدان المسؤولية والمحاسبة ويستحضرونها في ميدان التسابق على الانتفاع والقمع. والذين «ما خصّهم» من المحكومين يقتلون على الهوية. لأنه «خصّهم» بسبب وصمة الولادة التي يحملون في الاسم والحي والمنطقة واللهجة واللباس. والامتيازات الصغيرة بين الفقراء ومحدودي الدخل، كالتي بين التبانة والبعل، والشياح والرمانة، والضاحية وطريق الجديدة، والجنوب وعكار، تخفي الامتيازات الكبيرة بين الأغنياء والفقراء. والفقراء والمحكومون يتقاتلون بين الفينة والأخرى من أجل تحسين شروط المنافسة والشراكة بين الأغنياء والحكام.
أما آن للذين خصّهم فعلاً أن يفعلوا شيئاً؟!

ليست هناك تعليقات: