مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريفها‬‎
احمد .. 9 سنوات , وطفولة عَمدها الحصار

الأحد، 27 نوفمبر، 2005

ملاحظات حول أثر الفساد على النظام القانوني والقضائي

القيت الكلمة في ندوة <<نحو استراتيجية وطنية لمكافحة الارهاب>> التي اقامها برنامج الأمم المتحدة
للتنمية في 7 تموز في بيروت ونشرت في جريدة السفير بتاريخ 16/07/2004
محمد فريد مطر - محام ورئيس الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية

في العام 1983 وبعد إقرار عدد من المراسيم الاشتراعية في عهد الرئيس الأسبق امين الجميل ومن بينها تلك المتعلقة بتأسيس شركات الهولدنغ (المرسوم الاشتراعي رقم 45) والاوف شور (المرسوم الاشتراعي رقم 46)، تلقيت اتصالا من مجموعة صناعية المانية طلبت تحديد موعد لها لاهتمامها في التوظيف في لبنان وتأسيس عدد من الشركات القابضة والاوف شور
كان عودي في ممارسة مهنة المحاماة يومها لا يزال طريا. انكببت على تحضير الملف ودراسته بدقة تحضيرا للاجتماع المعهود. لم أترك شاردة او واردة تتعلق بشركات الهولدنغ والاوف شور الا ومحصتها كي أكون مهيأ
وفي الموعد المحدد وصل الوفد الالماني من بلاده وكان قوامه خمسة اشخاص: ثلاثة اداريين ومستشارين قانوني ومالي. كنت متحفزا للاجابة عن اسئلتهم عن تفاصيل الشركات القابضة والاوف شور، متسلحا بدراسات جرى تحضيرها سلفا استباقا لأي اسئلة او استيضاحات. غير اني فوجئت في سياق الاجتماع بأنهم على إلمام كامل بهذه التفاصيل وان جل ما ارادوا معرفته يدور حول سؤال وحيد وبسيط: كيف حال العدالة في لبنان؟ (comment fonctionne la justice?) وهل يمكن لمستثمر اجنبي قرر التوظيف في لبنان ان يحمي توظيفاته المالية في حال نشوء نزاع او خلاف؟ وهل يستطيع بالتالي ان يحصل حقوقه بواسطة القضاء؟
لم اقدّر يومها وجاهة هذا السؤال بالرغم من بداهته. وغاب عني ان فكرة دولة القانون لا تقتصر على إقرار قانون هنا او مرسوم هناك، بل هي سلسلة مترابطة تصل ما بين التشريع الموضوعي والتطبيق الصحيح للتشريعات وتنفيذ الاحكام الصادرة. وان فقدان اي حلقة من هذه الحلقات المتصلة يؤدي الى تعطيل نظام الحكم وهدر العدالة
انطلق من هذه التجربة الشخصية لأتلمّس بعض اوجه الفساد في النظام القانوني والقضائي في لبنان
كيف يبدو مشهد النظام القانوني والقضائي من منظار اللبناني عموما؟
وهل يبدو مشهدا مطمئنا يدعو الى الثقة ام عكس ذلك؟
والجواب القاطع ان معظم اللبنانيين لا يثقون في قرارة انفسهم بأن هناك حكم قانون في لبنان، فضلا عن اقتناعهم بأن النظام القانوني/القضائي فاسد بمعنى انه لا يؤمّن الضمانة القضائية التي ينص عليها الدستور، ما يجعل العدالة غير مضمونة ولا متوفرة للمواطن العادي.
هذا على صعيد اللبناني العادي. ولكن هل ينسحب هذا الموقف على الطبقة السياسية والفئة الحاكمة؟ والجواب: نعم، بالرغم من تكرار هؤلاء الساسة والحكام لمعزوفتهم العلنية بأن لهم ملء الثقة بالقضاء وبنزاهته.
أبدأ بتحديد اوجه الفساد في نظامنا القانوني والقضائي ويمكن تلخيصها، بالرغم من تداخلها، بالآتي:
1 قصور التشريع عن غاياته النهائية، هذا بافتراض حسن النية (قانون الايجارات/ قانون المطبوعات/ قانون الخصخصة/ قانون المجلس الدستوري، الخ...؟)
2 انحراف التشريع عن غاياته الموضوعية، وهذا بافتراض سوء النية (قانون العفو العام/ قانون العفو عن جرائم المخدرات/ قانون الانتخاب، الخ...). وهنا، فإني استعمل حسن النية بمعنى ان المشترع اراد فعلا تحقيق الغايات الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية المعلنة في الاسباب الموجبة لهذه القوانين او المراسيم ولكنه قصر عن تحقيق هذه الغاية. أما سوء النية فإني استعملها بمعنى ان المشرع حرف هذه القوانين او المراسيم عن غاياتها المعلنة عن قصد، فجاءت تحقق غير الغاية المعلنة منها
3 الخفة في التعامل مع الدستور، وهو قانون البلاد الاساسي، والتعاطي معه وكأنه قانون عادي، تعديلا ام تعليقا. واقصد هنا تعديل النص الدستوري مرتين. الاولى، للتمديد للرئيس الياس الهراوي في العام 1996 والثانية، لتمكين الرئيس إميل لحود من خوض الانتخابات الرئاسية في العام 1998. اما تعليق الدستور فأقصد به تعليق بعض بنوده (إنشاء مجلس شيوخ، الغاء الطائفية السياسية تدريجيا وغيرهما) بالرغم من انها بنود وفاقية ودستورية آمرة
4 انعكاس التشريعات القاصرة او المحرفة هذه (بالمعنى الوارد في الفقرتين 1 و2 اعلاه) على اعمال القضاء الذي يجد نفسه مضطرا لتطبيق قوانين لا تتصف بالشمولية والموضوعية وغائية المصلحة العامة، وبالتالي صدور احكام قضائية تفتقد المصداقية فضلا عن وقوعها ضمن دائرة التشكيك في دوافعها وفي نزاهتها وفي عدالتها. وأقصد بذلك ان القضاء يطبق القانون ولا يشرع. وبالتالي، يصعب إن لم يكن يستحيل، تطبيق قانون سيئ بصورة حسنة. ولعل اكبر مثال على ذلك هو القرار القضائي بإقفال محطة MTV بصورة نهائية وما تبعه من تسريب بأن المحكمة العليا وجدت نفسها مضطرة لتطبيق القانون واصدار قرارها الظالم هذا بالاستناد الى قانون سار ونافذ ينص على الاقفال النهائي في حال مخالفة اصول الاعلام الانتخابي
5 عدم تطبيق القوانين، إما لأن بعض هذه القوانين غير قابل للتطبيق اصلا (قانون الاثراء غير المشروع او قانون محاسبة الرؤساء والوزراء)، وإما لأنها تطبق بصورة استنسابية (قانون تنظيم المقالع والكسارات او قانون استعمال المازوت وغيرهما)
6 تناقض الأحكام القضائية وتعارضها احيانا، ما يهدد مبدأ استقرار التوقعات وهو في اساس حسن سير العدالة وانتظام العمل القضائي (التناقض والتعارض القائم بين عدد من القرارات القضائية المتعلقة بالجهة المختصة لمحاكمة الوزراء وهل هي المحاكم العادية ام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء)؟
ازدياد الرشى والمحسوبية في بعض الدوائر القضائية والادارات التابعة لها خصوصا الضابطة العدلية 7ولئن كان من الصعوبة بمكان اثبات هذا الواقع ميدانيا، فان من شأن نشر تقارير عن اعمال التفتيش القضائي بشكل دوري، لا تقتصر على نشر نسبة البت في الدعاوى العالقة، تفعيل الدور الرقابي لهيئة التفتيش القضائي إعمالا وتطبيقا لمبدأ الشفافية
8 تعطيل التفتيش والرقابة القضائيين إما بالتدثر بالحماية الطائفية/ المذهبية او بالحماية السياسية الاقليمية وهذا يفترض عدم تخصيص اي طائفة او مذهب بمراكز قضائية محفوظة فضلا عن وجوب تعديل الوضعية القانونية للنيابات العامة وقضاء التحقيق وفصلهما فعليا عن قضاء الحكم
9 تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في شؤون القضاء ومحاولتهما استتباعه او تدجينه. وهذا يؤدي الى تعطيل مبدأ دستوري اساسي وهو مبدأ فصل السلطات، ويؤدي بالتالي الى تعطيل النظام الديموقراطي. 10 بطء التقاضي: وهذا يذكرنا بالقول المأثور "Justice delayed Justice denied": اي <<ان العدل البطيء ظلم بيِّن>>. من نافل القول التوسع في هذا المضمار باعتباره بديهيا (self evident)
11 ارتفاع كلفة التقاضي: يعتبر التقاضي في لبنان الاغلى في العالم فالرسوم القضائية الفاحشة، وبطء اجراءات التقاضي، وعدم استقرار الاحكام، والتدخل في شؤون السلطة القضائية، جميعها تجعل الركون الى القضاء غير مأمون ولا مضمون النتائج
12 اساءة استعمال القانون بجعله منحرفا عن غاياته الاساسية وهي احقاق الحق والسعي الى تحقيق العدالة وتوسله لغايات الاستتباع والتخويف والتهويل. ومثال ذلك غض السلطة السياسية النظر عن مخالفات واعتداءات على الاملاك العامة وابتزاز المخالفين عند قيام استحقاق ما، انتخابي مثلا، بالتلويح بالملاحقة ما لم يسيروا في ركابها. ولعل قانون التجنيس مثل حي آخر على هذه الممارسة
13 فقدان الثقافة القانونية عند عموم اللبنانيين وشعورهم بأن القضاء والقانون شيئان غريبان عنهم ولا علاقة لهم بهما. وتصل هذه الغربة الى حدود القطيعة احيانا. وهذه نتيجة وسبب في آن. إذ بمقدار ما يبتعد القانون عن غاياته الاساسية يبتعد اللبناني عن الثقة به
14 إثقال القضاء بإحالة ورمي المشكلات الخلافية على انواعها (من سياسية وادارية واجتماعية واقتصادية) الى ساحة القضاء، ما يرهق كاهله ويعرضه لسهام الشك بتحويله الى ساحة من ساحات الصراع بدلا من ان يكون موئلا للعدل وملاذا للفرد وضمانا للحق. الى أين تأخذنا وقائع الفساد هذه وما هي كلفتها؟
جوابي على هذا بديهي ومباشر. تؤدي هذه الوقائع الى ما نحن فيه الآن
تعطيل نظام الحكم. مديونية تثقل اللبناني الى ثلاثة او اربعة اجيال على الأقل، ان لم نقل انها قد تؤدي الى افلاس البلاد. انهيار نظام القيم. غياب المساءلة والمحاسبة مع ما يلازمهما من تفاقم في الهدر والفساد. اغتراب المواطن عن دولته وتفاقم هجرة الشباب. فقدان الديموقراطية وتعطيل احكام الدستور خصوصا تلك المتعلقة بالحريات العامة. استشراء الطائفية والمذهبية مع ما يلازمهما من تفاقم المحسوبية والزبائنية. غياب حكم القانون
وفوق هذا وذاك، ان غياب حكم القانون وتراجع الثقة بجدوى اللجوء الى القضاء، دفعا اللبنانيين الى محاولة تحصيل حقوقهم، وحماية ذواتهم وممتلكاتهم، خارج دائرة الحماية القضائية والقانونية؟ اوليس في ذلك تاليا دعوة اللبنانيين الى الخروج على حكم القانون والاحتكام الى آليات بديلة عانى منها لبنان واللبنانييون كثيرا؟
هذا هو بكل أسف واقع لبنان الراهن: تسابق بين الانهيار الاقتصادي او الانفجار الشعبي وهذا الواقع الأليم والداهم لا يوقفه سوى الاسراع في عملية اصلاح جذرية تعيد العمل بالدستور الذي هو معلّق عمليا، والاصرار على تطبيق القوانين وتنفيذها سعيا لتحقيق دولة القانون، وتفعيل عمل القضاء بتأمين استقلاله الوظيفي والمادي وتوفير الحصانات اللازمة لقيام القضاة بمهامهم، ورد الروح الى المجلس النيابي المستنكف عن القيام بدوره التشريعي والرقابي عبر انتخابات حرة نزيهة تأتي ببرلمان جديد، وصولا الى تطهير واصلاح الادارة وترشيقها باعتماد معيار الكفاءة لا المحسوبية
أما وقد اضحى واجب الاصلاح داهما فلا بد من التنويه بأهمية مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات اهلية ونقابات مهنية في التصدي لهذه المشكلات المتجذرة وضرورة دعمها في تنكّب مسؤولياتها والاضطلاع بدورها في تأطير طاقات المجتمع الكامنة لتحقيق الاصلاح المرجو

ليست هناك تعليقات: