مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريفها‬‎
احمد .. 9 سنوات , وطفولة عَمدها الحصار

الاثنين، 12 ديسمبر، 2005

مقابرنا الجماعية


خالد صاغية

أرى اكتشاف المقابر الجماعية أمرا فظيعا يعكس مدى الآلام والمعاناة التي عرفها اللبنانيون. واني افكر بالعائلات اللبنانية التي فقدت بعضا من افرادها، ولا بد من التأكيد ان المجتمع الدولي يقف وراء لبنان في مسيرته الصعبة لبناء دولة القانون الحقيقية>>. هذا الكلام هو لسفير الاتحاد الاوروبي في لبنان السيد باتريك رينو. لكنه لم يتفوه به بعد لقائه مسؤولا سابقا عن برنامج التربية على السلام في منظمة <<اليونيسيف>>، إنما بعد لقائه بالسيد سمير جعجع قائد القوات اللبنانية خلال السنوات الأخيرة من الحرب اللبنانية.

لا تمنع صفة سمير جعجع هذه ان يجتمع به السيد رينو ويبحثا معا في <<كيفية التوصل الى دولة القانون في لبنان>>. لكن، على الأقل، وطالما ان السيد رينو تؤرقه معاناة عائلات المفقودين اللبنانيين، كان عليه، ولو من قبيل رفع العتب، ان يسأل السيد جعجع عن الذين فقدوا على حاجز <<البربارة>> مثلا، والذين يفوق عددهم حتما ما تم اكتشافه حتى الآن من جثث في مقابر مجدل عنجر الجماعية. وإذا كان السيد جعجع لا يملك فكرة عن الموضوع، بإمكانه ان يسأل أحد نواب كتلته الذي يعرف تفاصيل ذاك الحاجز جيدا، قبل ان يصبح هو وكتلته رموزا للاعتدال المسيحي!

النائب أكرم شهيّب لم يكن أقل رهافة وحساسية تجاه منظر الجثث. فقد اعتبر ان <<اكتشاف المقابر الجماعية في حد ذاته يشكل فضيحة كبرى مدانة انسانيا وقانونيا بغض النظر عمن يكون المسؤول المباشر عنها>>. وعلى الرغم من غض النظر هذا، استغل المناسبة للهجوم على <<من كان يمسك بالقرار في منطقة البقاع وعنجر تحديدا>>. لقد فات النائب شهيّب ان هذه الجثث، وحسب الأطباء الذين عاينوها، تعود الى أشخاص يعتقد انهم خطفوا وقتلوا بين العامين 1984 و1990، اي في الفترة التي كان الراحل غازي كنعان هو الممسك بقرار عنجر. هذه الفترة التي امتلك السيد وليد جنبلاط ما يكفي من الشجاعة ليقول أنها لم تكن فترة وصاية سورية، بل كان الزعماء اللبنانيون آنذاك شركاء في الحكم (والجرم؟).

وطالما ان النائب شهيّب مولع بالتاريخ، وهو الذي نفى متهكما ان تكون المقبرة <<من ايام فخر الدين المعني في معركة مجدل عنجر عام 1623>>، فلا بد من تذكيره ان جبل لبنان الذي يمثله في البرلمان، وعلى الرغم من التوترات التي سادت طيلة تاريخه، فإنه لم يعرف لحظة من الصفاء الطائفي تمكنت فيه طائفة من طرد طائفة أخرى منه بالكامل إلا على يد الميليشيا التي كان السيد شهيّب ذو الإحساس المرهف أحد قادتها.

الرئيس أمين الجميل هو الآخر شعر <<بالقلق والاشمئزاز>> حين علم بالمقبرة. لكن قلقه هذا لم يدفعه الى إخبارنا عما حصل يوم أمر ب<<تنظيف>> بيروت الغربية من <<المخربين>>، ومن الذي <<نظّف>>، ومن الذي تم <<تنظيفه>>.

لا يقال هذا الكلام لنكء جراح الحرب، ولا لتسجيل نقاط سهلة على ميليشيات بعينها. فالسياسيون الذين لم يقودوا الميليشيات، والذين يتباكون اليوم أمام المقابر الجماعية، شاركوا ايضا في إصدار قانون العفو بالشكل الذي صدر فيه، وساهموا في إقرار سلم أهلي أعرج يقوم على اعتبار قضية سبعة عشر ألف مخطوف مسألة هامشية. الأنكى ان هؤلاء السياسيين ماضون في ممارسة وقاحتهم هذه. وها هي وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض التي لا تفوّت مناسبة لإتحاف الشعب اللبناني بآرائها السديدة، تعلن ان نبش مقابر جماعية جاء نتيجة قرار سياسي هدفه فتح ملف المفقودين والمعتقلين في سوريا. إن وزيرة تعتبر ان فتح موضوع كالمقابر الجماعية وإغلاقه يخضع للاعتبارات السياسية هي وزيرة لا تصلح حتما للشؤون الاجتماعية.

قام السلم الأهلي منذ الطائف وحتى خروج الجيش السوري على كذبة برأت اللبنانيين من دماء بعضهم بعضا، لذا لم يجد أحد منهم بدا من الاعتذار طالما أن لا حيلة بيدهم في ما دار من حروب على أرضهم. وبرّئ السوريون بحجة أنهم هم الذين ساعدوا على إنهاء الحرب، وتم تلبيس التهمة كاملة الى الفلسطينيين الذين عوقبوا بالبقاء داخل مخيماتهم وسط اجراءات أمنية مشددة وظروف معيشية غير إنسانية. لا يزال السوريون يلعبون اللعبة نفسها حين يتهمون الفلسطينيين بمقابر مجدل عنجر. أما اللبنانيون فقد انتقلوا الآن وقد <<تحرروا>> من <<الوصاية السورية>>، الى إلقاء اللوم على السوريين وحدهم. فالسوريون، حسب الرواية السائدة اليوم، هم الذين نهبوا الاقتصاد، وهم الذين همّشوا طوائف على حساب أخرى، وهم الذين قمعوا الحريات، وهم الذين أقاموا المقابر الجماعية. كان اللبنانيون دائما من المغلوب على أمرهم الى ان انتفض طائر الفينيق من الرماد في 14 آذار.

إن هذه الرواية لا تستطيع الصمود إذا ما فُتح ملف المقابر الجماعية. وهي أصلا رواية لم تتمكن من تحقيق المصالحة بين اللبنانيين. تماما كما لم يتمكن من ذلك وقف إطلاق النار، ولا الإعمار، ولا الانسحاب الاسرائيلي، ولا الانسحاب السوري. ثمة مقابر تملأ الأراضي اللبنانية من البقاع الى الجبل الى الكرنتينا والمرفأ وبيروت. إن بوسع هذه المقابر وحدها ان تحقق المصالحة. إفتحوها!


ليست هناك تعليقات: