مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريفها‬‎
احمد .. 9 سنوات , وطفولة عَمدها الحصار

الاثنين، 12 ديسمبر، 2005

مشوار شارع الحمرا

جهاد بزي

إن من يعيش في الغربة يمشي في فضاء فوق الأرض من غير شبكة الحماية التي ينصبها لكل كائن البلد الذي هو بلده، حيث أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه، وحيث يعرب عمّا به من غير مشقة باللغة التي يعرفها منذ الطفولة

ميلان كونديرا

خفة الكائن التي لا تحتمل

لم نتفق على هذا يا حازم

كان ينبغي أن يقول أحدنا <<يللا باي>> ويجيب الآخر <<باي>>. هكذا نتودع حين تنزل الدرج ركضا بإتجاه الكولا حيث ينتظرك باص صيدا. هكذا نتودع حين نخرج أنا وأنت وإيلي من المصعد وتذهبان إلى غرفة عملكما واذهب إلى غرفة عملي. نكون قد أنهينا لتونا مشوارنا اليومي الذي لم ينقطع طوال عامين. مشوار شارع الحمرا كما نسميه ونعرف طقوسه. نكرره ذاته، بتفاصيله ومهما كانت فصوله. هكذا أتودع أنا وإيلي حين أوصله إلى بيته في <<الحدث>> بعدما أكون قد مننته بأنني ذهبت به مضطرا إلى آخر العالم، بعدما يكون قد شتم اللحظة التي قبل بها بعرضي الذي على مضض بأن اوصله. عندما نتودع يقول أحدنا <<يللا باي>> ويجيب الثاني <<باي>> ونفترق بسرعة. على هذا اتفقنا منذ عامين يا رجل. لماذا تخذلني؟

لم نتفق على البكاء في المطار. لم نتفق على عناق طويل

كنت خائفا على إيلي من البكاء. كنت خائفا على حبه الهائل لمدينته وبحرها. إيلي الذي ينتمي إلى أرصفة الحمرا أكثر مني ومنك. ما إن يصل إلى الرصيف حتى يذوب فيه. أنا وأنت أيضا أحببنا الشارع، وإلا لكنا ضجرنا من تكرار رحلة يومية لا تتغير، تبدأ بغداء سريع وتنتهي بمكتبة إنطوان. إيلي لم يبك في المطار، وأنت بكيت. هذا مفاجئ. ألست أنت الغريب المسافر من بلد غريب إلى بلد غريب؟ ألست أنت <<الفلسطيني>>؟ بأي حق تبكي يا فلسطيني؟ تبكي عائلتك وأصدقاءك؟ تبكي حياتك في لبنان؟ لكنك فلسطيني. ألم تر أو تسمع ذاك النائب الذي نبتت في قلبه أرزة خضراء. هذا المصاب برهاب الفلسطينيين. هذا لا يرى فيهم إلا مشكلة تسمى التوطين وتسمى المخيمات ويجب <<حلها>>. هذا ينظر إليهم بصفتهم كتلة واحدة. قضيته أكبر من ان ينظر إليهم بصفتهم افرادا.. تماما كما الذين في مقابله ينظرون إليهم بصفتهم ابطالا يقفون في طابور طويل ينتظرون بفارغ الصبر موعد إستشهادهم. هذا النائب لم يذهب معنا يوما في مشوار شارع الحمرا. كان علينا أن ندعوه يوما ليمشي معنا. لربما سمعك تحكي عن أحلام بسيطة ليس فيها مشروع تدميري للديموغرافية اللبنانية المقدسة. لربما انتبه إلى أن أحلامك هي نفسها أحلام إيلي المسيحي. فوتنا فرصة دعوته ليمشي معنا. لا بأس. الآن ينبغي عليك أنت وإيلي أن توجها إليه دعوة لزيارتكما هناك حيث ستقيمان في بيت واحد. <<فلسطيني>> و<<مسيحي>> يقتسمان حياتهما. سيستمع إلى كلامكما هناك وأحلامكما هناك. سيستمع إلى اشتياقكما إلى بلدكما. (آه. النائب قد يفجع بأن لبنان هو بلد الفلسطيني الغريب. قد لا تحتمل الأرزة في قلبه مثل هذه الصدمة.. لكنها لن تموت، لأن الأرز لا يموت)

لم نتفق على البكاء يا حازم. مذ سافرت ووجهك في عينيّ. لم نتفق على البكاء. صديقتي الفلسطينية (مسيحية متزوجة من مسلم لبناني، زيادة في جراحات النائب) تقول إن الفلسطينيين هم أسرع المودعين في المطارات. ثوان وينتهي كل شيء. مصافحة وبخاطرك ويللا. لكثرة ما يسافرون تقول. أو ربما لأنهم يسافرون من غربة إلى غربة. لكن لبنان ليس غربتك يا حازم. لبنان ليس غربتك، وإلا لما بكيت. كان عليك أن تبكي وحدك، بعيدا عني على الأقل. أنا لا أحب المطار اصلا. مذ كنت صغيرا وأنا لا أفهم هذا المكان. أودع ابي وأعود لأمضي نهاري كئيبا. أستقبله وافرح. وأعود لأودعه. المطار الذي صار مع الوقت عادة أدمنتها. أودع صديقا وأكره المطار. استقبل أخي فأحب المطار. أودعه. لا قدرة لي على مجاراة حركة حب وكره المطار. هذا المكان يثير فيّ كآبة لا اريدها. أختصر زيارتي إليه إلى حدها الأدنى. كأن المطار واحد أعرفه معرفة سطحية ومزعجة تدفعني كلما التقيته في الشارع إلى تجنب النظر إليه، فقط كي لا أتبادل معه التحية. فقط كي لا تثير فيّ المعرفة هذه التحية كآبة تبادل التحية مع واحد لا أعرفه. لكن معرفتي بالمطار ليست سطحية. معرفتي بكما ليست سطحية. كان ينبغي ألا يكون هناك بكاء في المطار. هذا ما أعرفه. لكنك بكيت

هذا النائب ذو الأرزة في قلبه. لا يفارق تفكيري. بماذا يشعر إذا ما عرف بهذا الخبر البسيط، خبر سفركما أنت وإيلي؟ سيقول في نفسه: ربح لبنان فلسطينيا أقل لكنه خسر لبنانيا مسيحيا. ما كسبناه بيد دفعناه بيد. أرزة لبنان بخير، وكذلك جناحاه

لم يخسر النائب شيئا. أنا خسرت مشوار شارع الحمرا اليومي

يللا باي

2005 جريدة السفير

ليست هناك تعليقات: